ابن قيم الجوزية

40

البدائع في علوم القرآن

الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [ الأنعام : 112 - 113 ] ويقول تعالى في وصف أهل النار : وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) . . . إلى قوله تعالى ذكره : كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) [ المدثر : 46 - 53 ] فهذا في حق من لم يؤمن بالآخرة ، بالجزاء والحساب . ونظائره كثيرة فيمن لم يؤمن بالرسالة والقرآن ، وبمقدار إفساد من لم يؤمن بذلك ، ترى خلافه عند المؤمنين بالبعث ، والحساب ، والرسالة ، والنبي ، والقرآن ، استقامة ، صلاحا وإصلاحا ، عقيدة وسلوكا وخلقا . 2 - فأنت ترى ابن القيم يضع القرآن حيث يجب أن يوضع ، منهاجا شاملا تامّا كاملا لحياة الإنسان ، لسعادة الدنيا والآخرة ، ثم يبدأ بعد ذلك في تفسير أهمية هذا القسم ، وأن اللّه أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم الإقسام به في غير آية منها وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ . . . [ يونس : 53 ] . 3 - ثم يبيّن المراد بالنفس اللوامة ناظرا في نظائر القرآن ، وفاحصا لأقوال الصحابة والترجيح بين ذلك ، وبيان اللوم المحمود والمذموم ، ثم بيان الإنكار على المنكر للجمع والحساب ، ثم الترجيح بين الأقوال في معنى بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ( 4 ) [ القيامة : 4 ] وبيان القدرة في خلق اليد ، وبيان إعجازها ، ثم يبيّن أثر عدم الإيمان بالآخرة في الإنسان يقول : « ثم أخبر سبحانه عن سوء حال الإنسان ، وإصراره على المعصية والفجور ، وأنه لا يرعوي ولا يخاف يوما يجمع اللّه فيه عظامه ، ويبعثه حيّا ، بل هو مريد للفجور فيفجر في الحال ، ويريد الفجور في غد وما بعده ، وهذا ضد الذي يخاف اللّه والدار الآخرة ، فهذا لا يندم على ما مضى منه ، ولا يقلع في الحال ولا يعزم في المستقبل على الترك ، بل هو عازم على الاستمرار ، وهذا ضد التائب المنيب » ثم نبّه سبحانه على الحامل له على ذلك ، هو استبعاده ليوم القيامة . . . اه إلخ . وهذا هو عين المراد من القرآن : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 ) [ الإسراء ] . فمراد القرآن بيان السبيل والمنهج لمن شاء أن يستقيم ، ثم يستمر التفسير على هذا النحو ، نظرا في القرآن والسنة ، تدبرا وفهما ، ثم ترجيحا ولأقوال الصحابة والتابعين ، واختيار الأنسب والأوفق لمراد القرآن الكريم . وهو يدفعك لذلك ويحثك بقوة فيقول عند الكلام عن الآية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة ] . يقول : « وأنت إذا أجرت هذه الآية من تحريفها عن موضعها . . . وجدتها منادية نداء صريحا ، أن اللّه سبحانه وتعالى يرى عيانا بالأبصار يوم القيامة ، وإن أبيت إلّا تحريفها الذي